البث الحي

الاخبار : أخبار وطنية

الحوكمة الرشيدة

شراكة الحوكمة المفتوحة بوّابة لإرساء مبدأ الشفافية في المؤسسات العمومية بتونس وحقّ المواطن في النفاذ إلى المعلومة

إذاعة قفصة (تحرير هيفاء سلقّة)- مثّل دخول تونس ضمن شراكة الحوكمة المفتوحة خطوة إيجابية نحو إرساء مبدأ الشفافية داخل المؤسسات العمومية والخاصة لضمان حسن إدارتها وإخضاعها إلى الرقابة والمتابعة والمساءلة.

والحوكمة المفتوحة هي إحدى الطرق التي تسمح بموجبها الحكومات بإجراء رقابة فعّالة من الشعوب، وهي تعارض أساسا اعتبار بنود من اتفاقيات الشراكة جزءً من أسرار الدولة.

وعلى إثر انضمام تونس إلى مبادرة شراكة الحكومة المفتوحة في 14 جانفي 2014، شرعت الحكومة التونسية في إعداد خطة عمل وطنية قصد برمجة عدد من الإصلاحات في مجال الحوكمة ومقاومة الفساد التي ستتعهّد بتنفيذها في سنتي (2015-2016) بالتعاون مع مختلف مكونات المجتمع المدني.

ويُعدّ انضمام تونس إلى شراكة الحوكمة المفتوحة مرحلة جديدة للبلاد بعد الثورة خاصة أمام التحديات التي فرضتها الشراكات العالمية الجديدة واشتراطات البنوك الدولية في منح القروض أو تمويل مشاريع كبرى لبلد في طور إعادة البناء من جديد.

مرحلة وثّقت أيضا سجالا كبيرا بالجلسات العامة للمجلس الوطني التأسيسي وموقف لجنة الطاقة من عدد من الاتفاقيات المثيرة للجدل الخاصة بالمناجم والطاقة مع التأكيد على ضرورة دسترة الثروات الطبيعية، ليضمن الفصل 13 كنتاج لذلك حق الشعب التونسي في ثرواته الطبيعية. كما نجد في باب الهيئات الدستورية المستقلّة في القسم الخامس منه هيئة الحوكمة الرشيدة ومقاومة الفساد لتعزّز من جهتها مبادئ الشفافية والنزاهة والمساءلة.

ولا ننسى هنا الدور الذي اضطلع به المجتمع المدني والصحافة الاستقصائية التي كانت العين الرقيب لتدقّق في عدد من الملفّات التي وضعت أمامها عديد نقاط الاستفهام لعقود طويلة من الزمن.

إذا، انخراط تونس في المنتدى العالمي لشراكة الحوكمة المفتوحة وتعدّد المنظمات والجمعيات في بلادنا التي تسير على نفس المنهج، قد يحيلنا إلى طرح سؤال أساسي عن مدى تطبيق تونس لمبادئ هذه الشراكة في مجال العقود النفطية والمنجمية ؟

مثّل التصرف في الثروات الطبيعية خاصة منها الناضبة، أبرز الملفات التي طفت على السطح بعد الثورة، مع الغموض الذي لفّ الاتفاقيات والعقود الخاصة بالنفط والمناجم في بلادنا منذ عشرينات القرن الماضي، والذي وصل أحيانا إلى توجيه أصابع الاتهام إلى شخصيات ومسؤولين بسوء التصرّف ومحاولة تمرير مشاريع تفتقد مبدأ الاستغلال الرشيد لهذه الثروات وعدم الأخذ بعين الاعتبار حق المواطنين في الانتفاع بفوائدها حتى بعد المصادقة على دستور تونس الجديد.

زيادة على ذلك تعطيل إبرام الاتفاقيات الخاصة بالثروات الباطنية والعجز الطاقي، في انعكاس طبيعي لعدم إسناد رخص استكشاف جديدة وانحصار الحفريات في هذا المجال وهروب رؤوس الأموال.

وبالرجوع إلى الإطار التاريخي لمجلة المحروقات والمناجم، نجد أنّ التنقيحات التي عرفتها مجلة المحروقات سنة 1999، لم تحقق التطوّر الإيجابي المنتظر في العمل هذا المجال، بل ذهبت الباحثة التونسية في العقود النفطية الدولية والمحامية لدى التعقيب فوزية باشا عمدوني إلى حدّ اعتباره تطويعا لخدمة حسابات ضيّقة، وقالت إنّ مصير هذه المجلة مشابه لما حصل للدستور التونسي زمن بن علي عندما تم تنقيحها في سنوات 2002 و 2004 و 2008.

وفي جانب آخر، يؤكد نشطاء المجتمع المدني في تونس أنّ غياب الرقابة وضعف النصوص القانونية في مجلة المحروقات، انجرّ عنه عجز طاقي منذ ما يقارب 15 سنة، وأنّ جلّ الاكتشافات الهامّة التي حصلت في مجال النفط في تونس تم منحها إلى الشركات الأجنبية دون أن تتمتّع رؤوس الأموال التونسية بنصيب من هذا الإنتاج محمّلة المسؤولية في ذلك إلى أصحاب القرار.

وقد طالب النشطاء في هذا الخصوص بالقيام بتدقيق شامل لقطاع الطاقة في تونس سيما في مجال إسناد رخص التنقيب وفتح تحقيق جدي في شبهات الفساد.

الصورة ذاتها تنسحب أيضا على قطاع الفسفاط في تونس، فمجلة المناجم التي عرفت بدورها تنقيحا سنة 2003 والذي أُلغيت بموجبه الاتفاقيات السابقة منذ 1953، كانت الأحكام التشريعية فيها والمتعلقة بأنشطة استكشاف المناجم والبحث عنها واستغلالهـا، حبيسة أروقة وزارة الصناعة وأمر من الوزير.

ولا يمرّ الحديث عن ثروة الفسفاط دون الحديث عن الشركة الأم شركة فسفاط قفصة التي لاقت بدورها انتقادات بلغت حدّ الاحتجاجات والاعتصامات والصدّ عن العمل، ما تسبّب في تراجع إنتاجها إلى 4,5 مليون طن سنة 2014، مقابل 8 مليون طن سنة 2010، في حين كانت المستويات أدنى سنتي 2012 و2013.

ولئن حرّكت المطالب المهنية والاجتماعية أغلب الاحتجاجات في الحوض المنجمي، فإنّ اهتمام المجتمع المدني انصبّ على المطالبة بحق النفاذ إلى المعلومة وتقديم مؤشرات حول نشاط الفسفاط، وهو عمل لم يخل من الصعوبة بحسب ما عبّر عنه منسّق عام المنظمة بالجنوب حمزة السبوعي من عدم تفاعل مسؤولي شركة فسفاط قفصة مع مشروع « وينو الفسفاط » الذي أطلقته منظمة « أنا يقظ » وذهب إلى حدّ التهديد بالتوجّه إلى المحكمة الإدارية.

وقد أرجع محدثنا حمزة السبوعي ذلك إلى أنّ شركة فسفاط قفصة عبّرت عن استعدادها لتقديم نسبة الإنتاج مع عدم الإفصاح عن نسبة العائدات المالية.

وانخراط تونس ضمن منتدى الحوكمة المفتوحة مثّل رسالة إيجابية إلى شركاء تونس في الخارج، ومع انحياز بلادنا اليوم إلى انتهاج سياسة البيانات المفتوحة التي تُخوّل استعمال المعطيات العمومية وتُحدّد حقوق وواجبات مستعمليها، نجد أنّ المجتمع المدني في تونس والذي يعتبر ركيزة أساسية في بناء الدولة، قد تقدّم خطوات في هذا الخصوص منها OpenGovTN و Touensa و »بوصلة » وجمعية الثقافة الرقمية الحرة CLibre ومنظمة « أنا يقظ ».

وأبدت وزارة الصناعة والطاقة والمناجم بدورها استجابة إلى هذا التوجه، فقد عملت بعد التعهّد بالنقطة 18 الخاصة بالثروات الطبيعية في هذه الشراكة إلى إحداث بوّابة البيانات المفتوحة أو open data، لتحسين مرتبة بلادنا في التزامها بمبادئ الشفافية وذلك بنشر كل المعطيات الخاصة بالوزارة والمؤسسات الراجعة إليها بالنظر.

مسؤول الشؤون القانونية بوزارة الصناعة قيس الماجري والمشرف على انجاز هذه البوابة الالكترونية قال إنّها تتكوّن من عشر نقاط تنقسم إلى نقاط فنّية وقانونية واقتصادية وأكد المسؤول بوزارة الصناعة خلال لقائنا به، أنّ بوّابة البيانات المفتوحة ستكون جاهزة في الأشهر القليلة القادمة بعد أن وقع العمل على تطوير منظومة الولوج إلى المعلومة في أكثر من مناسبة معبّرا في ذات الصدد إلى أنّ المرحلة القادمة سيكون للاعلام والمجتمع المدني الدور الأكبر في التعريف بمدى أهمية هذه المنظومة.

وستكون سنتا 2015 ـ 2016 مفصلّيتان لتونس داخليّا وخارجيّا في إبراز مدى التزامها بمبادئ الشفافية والمساءلة إلى جانب تحقيق الجودة والأساليب الفعالة لتحقيق خطط وأهداف مؤسساتها.

فهل سيكون ترشيد التصرف في الموارد العمومية وتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد مهمّة سهلة أم أنّ الوصول إلى المعلومات وحق المواطن في معرفة عائدات بلاده من الطاقة والمناجم سيتطلّب نضالات جديدة لترسيخ هذه المبادئ وتعميمها؟

بقية الأخبار

الميثاق-التحريري

برامج وخدمات

tmp111

tmp222

tmp1112

تابعونا على الفيسبوك

ريبورتاج فيديو

أحوال الطقس

الميثاق

مدونة-سلوك

radio gafsa