جلسة استماع للجنة المالية حول مقترحي القانونين المتعلقين بتنقيح وإتمام قانون ضبط النظام الأساسي للبنك المركزي

عقدت لجنة المالية والميزانية (لجنة قارة) أمس الأربعاء  بمقر المجلس النيابي ،جلسة استمعت خلالها إلى أصحاب جهتي المبادرة التشريعية بخصوص الصيغة المعدلة لمقترحي القانونين 06/2023 و70/2024 والمتعلقين بتنقيح وإتمام القانون عدد 35 لسنة 2016 المؤرخ في 25 أفريل 2016 المتعلق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي،حسب بلاغ صادر عن المجلس.

و قدّم أصحاب المبادرة عرضًا مفصلاً بينوا من خلاله أن  مقترح القانون يندرج في سياق اقتصادي ومالي دقيق يتسم بتفاقم الضغوط على المالية العمومية، وتزايد حاجيات تمويل الاقتصاد الوطني، وارتفاع كلفة الاقتراض الخارجي، إلى جانب استمرار اختلال ميزان المدفوعات وتقلص هوامش تدخل السياسات الاقتصادية التقليدية.

كما أبرزوا أن التجربة التطبيقية للقانون عدد 35 لسنة 2016 أفرزت عديد الإشكاليات، من بينها محدودية التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة الاقتصادية العامة، وصعوبة تعبئة الموارد الداخلية بكلفة مقبولة.

وفي هذا الإطار، أوضح أصحاب المبادرة أن التمشي الإصلاحي المقترح يقوم على إعادة تموقع البنك المركزي ضمن المنظومة الاقتصادية الوطنية، من خلال توسيع مهامه لتشمل، إلى جانب استقرار الأسعار، دعم السياسة الاقتصادية العامة للدولة وتحقيق النمو والتشغيل، مع المحافظة على استقرار سعر الصرف وسلامة الجهاز المالي.

و يهدف المقترح إلى تعزيز التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية بما يساهم في تقليص كلفة تمويل الميزانية والحد من تفاقم المديونية.

ويتضمن المقترح كذلك تطوير أدوات تدخل البنك المركزي، خاصة عبر اعتماد السندات الحكومية كآلية لإعادة تمويل البنوك وتحسين انتقال السياسة النقدية، إلى جانب تمكين البنك المركزي من شراء جزء من الدين العمومي بهدف تخفيض كلفة الفائدة التي تتراوح حالياً بين 9 بالمائة و10 بالمائة  إلى مستويات دنيا في حدود 1 بالمائة ، بما من شأنه أن يخفف العبء على ميزانية الدولة ويحد من اللجوء المتكرر إلى إعادة التداين.

و ينص المقترح على تعزيز الدور الاحترازي الكلي للبنك المركزي في رصد المخاطر النظامية، وتدعيم قدرته على النفاذ إلى المعطيات الضرورية لضمان الاستقرار المالي، مع احترام قواعد حماية المعطيات الشخصية، إلى جانب إعادة تنظيم علاقته بالدولة عبر ضبط آليات مؤطرة قانونياً لتدخله في تمويل الخزينة، وفق سقوف كمية وزمنية تضمن الانضباط المالي.

وشمل المقترح أيضا، إرساء مسار مؤسساتي واضح للجوء إلى الاقتراض الخارجي يقوم على تقييم مستوى الاحتياطيات، وتعزيز الرقابة البرلمانية، وتحديد صلاحيات مختلف المتدخلين، فضلاً عن مراجعة شروط تعيين وإعفاء محافظ البنك المركزي بما يعزز الحوكمة والمساءلة.

و تضمن الأحكام الجديدة  المقترحة إجراءات استثنائية وظرفية، من بينها تسوية وضعيات السندات الحكومية المودعة كضمان لدى البنك المركزي، وإحداث خط تمويل استعجالي لفائدة المؤسسات المزودة للدولة لمعالجة إشكال تراكم الديون، إضافة إلى تخصيص تمويل لدعم البحث العلمي وربطه بالتنمية الاقتصادية والسيادة التكنولوجية.

وقدّم أصحاب المبادرة جملة من المعطيات الرقمية والمؤشرات الاقتصادية لتأطير النقاش، حيث بيّنوا أن حاجيات التمويل لسنة 2026 تُقدّر بحوالي 27 مليار دينار، في ظل تضاعف خدمة الدين من 3.36 مليار دينار سنة 2011 إلى أكثر من 23 مليار دينار حالياً، وارتفاع نسبة المديونية إلى قرابة 80 بالمائة  من الناتج الداخلي الخام. كما أشاروا إلى أن حوالي 80 بالمائة من القروض المتحصل عليها خُصصت لإعادة تمويل ديون سابقة، وهو ما يعكس محدودية مردودية التداين في دعم النمو.

واستعرضوا نتائج اللجوء إلى آلية التمويل المباشر عبر البنك المركزي خلال سنتي 2024 و2025، مؤكدين أنها ساهمت في استقرار سعر صرف الدينار وتراجع نسبة التضخم من 10 بالمائة إلى حوالي 5 بالمائة ، إلى جانب تحسن التصنيف السيادي للبلاد، وانخفاض كلفة خدمة الدين الخارجي. غير أنهم أقرّوا في المقابل بأن هذه الإجراءات الظرفية تبقى غير كافية لمعالجة الإشكال بصفة جذرية، في ظل تواصل ارتفاع كلفة الدين الداخلي وتوسع حجم الاقتراض.

وفي هذا السياق، قدم أصحاب المبادرة تصوراً متكاملاً يقوم على تمكين البنك المركزي من شراء الديون العمومية التي تحتفظ بها البنوك، بما يتيح تقليص نسب الفائدة وتفادي استنزاف السيولة، مع اعتماد آلية تمويل طويلة الأمد بين البنك المركزي والخزينة العامة عوضاً عن اللجوء المتكرر إلى السوق المالية.

كما تطرّقوا إلى مقترح سداد خدمة الدين الخارجي عبر توظيف احتياطي العملة الأجنبية مقابل إحداث دين طويل الأجل مقوم بالدينار، وهو ما من شأنه تقليص الضغط على العملة الصعبة وتحسين التوازنات المالية.

وتم من جهة أخرى عرض آليات لسداد الدين الداخلي غير المملوك من قبل البنك المركزي، وتمويل قصير الأجل في حدود 10  بالمائة من الإيرادات الجارية، بما يخفف حاجيات التمويل السنوية.

و تركزت التدخلات حول جملة من الإشكاليات التي تمسّ جوهر الإصلاح المقترح وحدوده.

وشدد عدد من النواب على أن الإشكال المطروح يتجاوز الجانب الفني المرتبط بآليات التمويل، ليعكس أزمة هيكلية في نموذج التنمية وفي مردودية السياسات العمومية، معتبرين أن تواصل الاعتماد المكثف على التداين، سواء الداخلي أو الخارجي، هو نتيجة مباشرة لضعف النمو وغياب تنويع فعلي لمصادر تمويل الاقتصاد.

وفي هذا السياق، عبّر النواب عن تخوفات واضحة من إمكانية أن يؤدي توسيع تدخل البنك المركزي إلى تحول تدريجي نحو تمويل غير مباشر لعجز الميزانية، بما قد يفضي على المدى المتوسط إلى ضغوط تضخمية ويؤثر على استقرار الأسعار، خاصة في حال غياب ضوابط صارمة وآليات رقابة فعالة.

كما تم طرح تساؤلات دقيقة حول مدى قدرة المقترحات المقدمة على الحفاظ على التوازن بين دعم المالية العمومية وضمان الاستقرار النقدي، وخاصة التحكم في انعكاسات شراء الدين العمومي على الكتلة النقدية، وحماية سعر صرف الدينار ومستوى الاحتياطي من العملة الأجنبية، وتجنب مزاحمة الدولة للقطاع الخاص في النفاذ إلى التمويل.

وأكد عدد من النواب أن استقلالية البنك المركزي تمثل مكسبًا مؤسساتيًا يجب الحفاظ عليه، مشددين على ضرورة تجنب أي تأويل قد يفضي إلى إضعاف هذه الاستقلالية أو إخضاعها لاعتبارات ظرفية، لما لذلك من تأثير مباشر على مصداقية السياسة النقدية وثقة الفاعلين الاقتصاديين.

كما أبرزت التدخلات أن معالجة إشكالية المديونية لا يمكن أن تكون نقدية فقط، بل تقتضي رؤية إصلاحية شاملة تشمل إصلاح المؤسسات العمومية وتحسين حوكمتها و تطوير مناخ الاستثمار وتنويع الموارد غير الجبائية و رفع نجاعة الإنفاق العمومي.

وفي نفس الاتجاه، دعا النواب إلى توجيه تدخل البنك المركزي نحو دعم الاستثمار المنتج والبنية التحتية، بما يساهم في خلق الثروة وتحقيق النمو، مع التشديد على ضرورة عدم توظيف هذه الآليات لتمويل النفقات الجارية، حفاظًا على التوازنات الاقتصادية الكلية.

كما تم التطرق إلى إشكالية تصاعد كلفة الدين الداخلي، حيث اعتبر النواب أن اللجوء المكثف إلى السوق المالية المحلية أدى إلى استنزاف السيولة وارتفاع نسب الفائدة، بما انعكس سلبًا على الاستثمار الخاص، وهو ما يستوجب معالجة هيكلية لهذه المسألة ضمن أي إصلاح مقترح.

وفي تفاعلهم مع مداخلات النواب، أكد أصحاب االمبادرة أن المقترح لا يهدف إلى المساس باستقلالية البنك المركزي، بل إلى إرساء مقاربة جديدة قائمة على التنسيق والتكامل بين السياسة النقدية والسياسة المالية، في إطار من الضوابط القانونية والمؤسساتية الواضحة.

كما شددوا على أن الإجراءات المقترحة تقوم أساسًا على إعادة هيكلة الدين العمومي وترشيد كلفته، وليس على التوسع في خلق النقد، مبرزين أن جزءً هامًا من هذه الإجراءات لا يؤثر على الكتلة النقدية، وأن الانعكاسات المحتملة على التضخم تبقى محدودة ومتحكمًا فيها.

وأضافوا أن المقترح يتضمن آليات دقيقة لتأطير تدخل البنك المركزي، بما يضمن توجيهه نحو دعم الاستقرار المالي والنمو الاقتصادي دون الإخلال بالتوازنات الكبرى.

في ختام أشغالها، أكدت لجنة المالية والميزانية أن هذا المقترح يمثل محطة مفصلية في مسار إصلاح المنظومة النقدية والمالية، وفرصة لإرساء نموذج اقتصادي أكثر توازنًا ونجاعة، قائم على التكامل بين السياسات العمومية وتعزيز السيادة الاقتصادية الوطنية.

وقررت اللجنة مراسلة البنك المركزي التونسي لطلب إبداء ملاحظاته حول المقترح.

وفي سياق أخر قررت اللجنة توجيه مراسلة إلى وزارة التجارة لطلب رأي مجلس المنافسة بخصوص منشور البنك المركزي التونسي  عدد 04 -2.026 للنظر في مدى تناسقه مع المنظومة التشريعية،  وتقييم انعكاساته على الاقتصاد الوطني.

 

شارك:

إشترك الأن

قفصة

14° - 28°
الجمعة30°
السبت31°
 Radio RTCI
RJ MUSIC
على صعيد الرفض
 إذاعة الزيتونة
law
أولاد الديجيتال
مرايا الجهات
ترابها ذهب
إذاعة القصرين
إذاعة قفصة

إذاعة قفصة

ON AIR
 Radio RTCI
RJ MUSIC
على صعيد الرفض
 إذاعة الزيتونة
law
أولاد الديجيتال
مرايا الجهات
ترابها ذهب
إذاعة القصرين