القصرين : عرض "رجال الفزعة" يفتتح الدورة 45 من مهرجان القصرين الدولي

بين حجارة السيليوم الأثري التي اختزلت قرونا من التاريخ، استعاد التراث الصوفي بالقصرين صوته من جديد ، أذكار تتعالى، وإيقاعات روحية تتناغم مع عراقة المكان، وجمهور غفير تابع في صمت ممزوج بالإنبهار لوحات عرض "رجال الفزعة" القادم من مدينة فريانة، الذي افتتح مساء الأربعاء فعاليات الدورة الخامسة والأربعين لمهرجان القصرين الدولي، في رسالة ثقافية أكدت أن الموروث المحلي لا يزال قادرا على صناعة الفرجة واستقطاب الجمهور عندما يجد من يؤمن به ويقدمه برؤية فنية متجددة.

واختارت هيئة مهرجان القصرين الدولي أن يكون افتتاح هذه الدورة من توقيع أبناء الجهة، في رهان على الإنتاج المحلي وعلى ما تختزنه القصرين من مخزون تراثي وروحي ظل لسنوات بعيدا عن الأضواء. وجاء عرض "رجال الفزعة" ليترجم هذا التوجه من خلال عمل جمع بين الإنشاد الصوفي والأذكار والموسيقى في صياغة ركحية حديثة، حافظت على أصالة الموروث ومنحته في الآن ذاته نفسا فنيا جديدا.

وشارك في العرض ثلاثون عنصرا قدموا لوحات جديدة من الأذكار والقصائد الصوفية بتوزيع موسيقي أكثر ثراء وإيقاعا، في عمل انطلقت فكرته منذ أربع سنوات، يحمل توقيع ابن فريانة عبد الرزاق العابدي، فيما تولى المايسترو ماهر الهرماسي التلحين والإنتاج الموسيقي وتوزيع القصائد الصوفية، لتسجل المجموعة ثاني حضور لها على ركح مهرجان القصرين الدولي بعد مشاركتها الأولى سنة 2022.

وأكد مايسترو عرض " رجال الفزعة " بفريانة ماهر الهرماسي، في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، أن المجموعة تواصل نشاطها بتمويل ذاتي بالكامل، دون أي دعم من الهياكل الثقافية أو السلط الجهوية أو القطاع الخاص، رغم ما تمتلكه من رصيد تراثي ثري يعكس خصوصية القصرين وفق تقديره .

وأضاف الهرماسي أن الهدف من تأسيس "رجال الفزعة" يتمثل في التعريف بالتراث الصوفي الذي تزخر به مختلف معتمديات الولاية، مبرزا أن هذا التراث يتميز بخصوصية تجعله مختلفا عن بقية جهات البلاد. وأوضح أن العرض استلهم أذكار أولاد تليل بفريانة، واستحضر العلاقة التاريخية بين الزاوية المحمدية بسيدي تليل بفريانة والزاوية العلوية بنفطة من ولاية توزر ، كما تم هذا العام إثراؤه بأذكار جديدة وبمشاركة موسيقيين محترفين، بما منح العمل بعدا فنيا أكثر احترافية، مع السعي إلى تطويره ليصبح قادرا على تمثيل الجهة في مختلف المهرجانات الوطنية.

من جهته، اعتبر مدير مهرجان القصرين الدولي، حسام هلالي، في تصريح لوكالة "وات" أن اختيار "رجال الفزعة" لإفتتاح الدورة كان رهانا ناجحا، بالنظر إلى الإقبال الجماهيري الكبير الذي شهده العرض والتفاعل اللافت مع مختلف فقراته.

وأوضح هلالي أن هيئة المهرجان اختارت عمدا أن يكون الإفتتاح بعرض صوفي من إنتاج أبناء الجهة، في إطار فلسفة تراهن على تثمين الإنتاج المحلي وإتاحة الفرصة للفنانين والمبدعين بالقصرين لعرض أعمالهم على ركح مهرجانهم.

وأضاف أن برمجة الدورة الخامسة والأربعين تراهن أيضا على حضور قوي للعروض المحلية، من بينها عرض "الضحضاح" للفنان عماد التونسي، وعرض الراب للفنان سيف، وأوبيرات "المروّد" للفنان حيدر قاسمي، إلى جانب عروض فنية ومسرحية وطنية متنوعة، مؤكدا أن هذا التوجه يعكس قناعة راسخة بأهمية الإستثمار في الطاقات الإبداعية بالجهة، وليس نتيجة اعتبارات مادية أو ميزانياتية حسب تأكيده.

ولم يكن تفاعل الجمهور مع العرض أقل حضورا من أداء المجموعة على الركح. فقد أجمع عدد من الحاضرين، في تصريحات متطابقة لصحفية وكالة تونس إفريقيا للأنباء، على أن "رجال الفزعة" نجحوا في نقلهم إلى أجواء روحانية استثنائية، ووصفوا السهرة بأنها رحلة في الذاكرة الصوفية للجهة، أعادت إليهم الإحساس بجمال الأذكار والإنشاد الديني وما يحمله من سكينة وطمأنينة.

ورأى عدد من المتابعين أن العرض لم يقدم مجرد مادة فنية، بل أعاد الإعتبار لتراث ظل حبيس الزوايا والذاكرة الشعبية، مؤكدين أن الموسيقى الصوفية كانت بمثابة "غذاء للروح"، خففت عنهم ضغوط الحياة اليومية، وأثبتت أن الإنتاج المحلي، متى توفرت له الرؤية والإرادة، قادر على أن يفتتح المهرجانات الكبرى ويصنع الحدث.

وبهذا الإفتتاح، وجه مهرجان القصرين الدولي رسالة واضحة مفادها أن التراث ليس مجرد ماض يستحضر، بل رصيد ثقافي متجدد قادر على صناعة الفرجة وبناء جسور بين الأجيال، وترسيخ مكانة القصرين كجهة تزخر بإرث حضاري وفني يستحق أن يكون في صدارة المشهد الثقافي الوطني.

شارك:

إشترك الأن

قفصة

25° - 39°
الجمعة38°
السبت40°
< لمة صيف >
لمة صيف
شرفات المساء
نسمة عشية
مرافىء الفنون
صيفك على كيفك
أصايل
صيفك على كيفك

صيفك على كيفك

17:00 - 20:00

ON AIR
< لمة صيف >
لمة صيف
شرفات المساء
نسمة عشية
مرافىء الفنون
صيفك على كيفك
أصايل