70 سنة على صدور مجلة الأحوال الشخصية: المكتسبات والحدود

نظّمت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، اليوم الأربعاء، ندوة دولية بمناسبة الذكرى 70 لصدور مجلة الأحوال الشخصية، تحت عنوان "70 سنة من مجلة الأحوال الشخصية: أين نحن من المساواة؟"، تناولت مسار المجلة منذ صدورها، وما حققته من مكاسب في مجال حقوق المرأة داخل الأسرة، إلى جانب حدودها والحاجة إلى تطوير بعض أحكامها.
وبحثت الندوة، التي انتظمت بالشراكة مع منظمة "نوفاك" وجمعية التضامن المدني ومؤسسة "هاينريش بول" ومنظمة "محامون بلا حدود"، وبدعم من سفارة هولندا بتونس، وشارك فيها ممثلون عن المجتمع المدني وخبراء وأساتذة قانون وباحثات، التحديات والتهديدات التي تواجه المكتسبات القائمة بمجلة الأحوال الشخصية ودور الحركة النسوية في الدفاع عنها ومقاومة أي تراجع محتمل.
ومن جهتها، اعتبرت رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات رجاء الدهماني، أن مجلة الأحوال الشخصية تمثل أحد أبرز الإصلاحات القانونية في المنطقة العربية في مجال حقوق المرأة والأسرة، مشيرة إلى أن إلغاء تعدد الزوجات وإقرار الطلاق القضائي أسهما في إحداث تحول عميق في العلاقات الأسرية، وشكلا محطة حاسمة في مسار تحرير المرأة التونسية وبناء مواطنتها وتحديث الإطار القانوني المنظم للأسرة.
وأضافت أن الذكرى 70 لصدور المجلة تمثل فرصة لتقييم التقدم المحرز واستعراض محطات الإصلاح التي عرفها التشريع، إلى جانب تسليط الضوء على محاولات التراجع واستشراف آفاق الإصلاحات القانونية المتعلقة بحقوق المرأة.
وأوضحت الدهماني أن الجمعية متمسكة بالمكتسبات التي تضمنتها مجلة الأحوال الشخصية، لكنها دعت في المقابل إلى تطوير عدد من أحكامها التي ما تزال، وفق تقديرها، تنطوي على تمييز بين الجنسين، وفي مقدمتها المساواة في الميراث، التي قالت إن الجمعية تطالب بها منذ تأسيسها وتسعى إلى سن قانون يكرسها.
وأرجعت الدهماني تأخر إقرار المساواة في الميراث إلى ما وصفته بـ"العقلية الذكورية السائدة" في المجتمع ووجود مقاومة لهذا المطلب من جانب أطراف في المجتمع المحافظ، مؤكدة في المقابل أن سن القوانين يظل في نهاية المطاف قرارا سياسيا.
وأكدت الدهماني أن غياب المساواة في الميراث ينعكس بشكل أكبر على النساء الفقيرات والمهمشات، خاصة فيما يتعلق بحق تملك الأراضي والنفاذ إليها، مشيرة إلى حرمان نساء خاصة في المناطق الداخلية، وفق شهادات تصل إلى الجمعية، من حقوقهن في الميراث، بما يؤدي إلى "مزيد من تفقير النساء وتهميشهن".
كما أشارت إلى أن مسألة رئاسة الأسرة، التي تمنحها مجلة الأحوال الشخصية للرجل، ما تزال تمثل، في نظر الجمعية، أحد أوجه التمييز بين الجنسين، لافتة إلى أن شكاوى النساء من العنف الزوجي الواردة على مراكز الإنصات والتوجيه التابعة للجمعية تعكس، بحسب قولها، استمرار بعض مظاهر العلاقات غير المتكافئة داخل الأسرة.
من جانبها، اعتبرت المحامية وعضوة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات يسرى دعلول أن مجلة الأحوال الشخصية كانت مجلة رائدة بعد الاستقلال لتنظيم الأسرة التونسية، مشيرة خصوصا إلى إلغائها تعدد الزوجات وإقرارها الطلاق أمام المحاكم، وهو ما مثل، وفق تقديرها، قطيعة مهمة مع النظام التقليدي للأسرة في إطار مشروع بناء دولة حديثة.
وقالت إن التطور التشريعي عرف منذ ذلك الحين "بطئا كبيرا" رغم أهمية القضايا المرتبطة بالأسرة، موضحة أن التنقيحات التي أدخلت على المجلة ظلت جزئية ولم تكن شاملة، إذ تناولت في كل مرة محورا معينا دون مراجعة متكاملة لأحكامها بما يتلاءم مع التطورات التي شهدها المجتمع التونسي.
واعتبرت دعلول أن النظام الأبوي ما يزال حاضرا في بعض أحكام المجلة، مشيرة إلى استمرار إسناد رئاسة الأسرة إلى الزوج ومنحه الولاية، فضلا عن التمييز الذي قالت إنه ما يزال قائما في بعض أحكام الحضانة بين الأب والأم.
وأضافت أن مسار التنقيح لم يستند، في تقديرها، إلى تصور شامل لمراجعة المجلة، وإنما اقتصر على بعض التحسينات والاستجابة الجزئية لمطالب اجتماعية، معتبرة أن تحقيق المساواة الفعلية بين النساء والرجال، باعتبارها مبدأ دستوريا، يتطلب "جرأة سياسية" وإحداث قطيعة ثانية مع النظام التقليدي، تكون قائمة على الحقوق الدستورية وتمكين النساء من حقوقهن.
وأشارت دعلول إلى أن معطيات التعداد الأخير للسكان تظهر، وفق قولها، استحواذ الرجال على نحو 90 بالمائة من ملكية الأراضي، في حين تشتغل النساء بشكل واسع في القطاع الفلاحي، معتبرة أن هذه المفارقة تعكس، في نظرها، استمرار مظاهر عدم المساواة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للنساء.
بدورها، أكدت أستاذة علم الاجتماع والخبيرة في الدراسات النسوية درة محفوظ أن مجلة الأحوال الشخصية كان لها تأثير إيجابي على التماسك الأسري والعلاقات داخل الأسرة، كما ساهمت في تعزيز الاستقرار الاجتماعي وتحسين التنشئة الاجتماعية، معتبرة أن الإصلاحات التي جاءت بها ساعدت أيضا على الاستثمار في تعليم الذكور والإناث.
وأوضحت محفوظ أن الوضع قبل صدور المجلة كان يتسم بوجود تعدد الزوجات والطلاق خارج المحاكم، دون ضمانات قانونية كافية لاستقرار العلاقات الأسرية، معتبرة أن المرأة التونسية تمكنت، بفضل الإصلاحات اللاحقة، من اكتساب مزيد من الحقوق والكرامة ومكانة أكبر داخل الأسرة والمجتمع.
وأضافت أن مشاركة المرأة في الإنفاق الأسري أصبحت أمرا واقعا، إذ يساهم عملها، وفق تقديرها، بما بين 30 و40 بالمائة من دخل الأسرة، فضلا عن العمل المنزلي الذي تؤديه دون مقابل، معتبرة أن المجتمع التونسي قطع أشواطا مهمة في اتجاه تقليص الفجوة بين النساء والرجال.
وفي المقابل، أقرت محفوظ باستمرار بعض مظاهر التمييز، خاصة ما يتعلق بمنح الرجل صفة رئيس الأسرة، داعية إلى إدخال تحسينات جديدة على المجلة باتجاه مزيد من المساواة وتشريك المرأة في رئاسة الأسرة.
ورفضت في السياق ذاته الحديث عن تفكك أسري متزايد بسبب الطلاق، معتبرة أن الأرقام الرسمية لا تدعم هذا الطرح، إذ لا تتجاوز نسبة النساء المطلقات، وفق المعطيات التي قدمتها، 2.8 بالمائة من مجموع النساء، فيما لم يتجاوز عدد حالات الطلاق 12 ألف حالة سنويا، بحسب معطيات نقلتها عن المعهد الوطني للإحصاء.
وقالت محفوظ إن مجلة الأحوال الشخصية "ما تزال تصمد أمام الزمن"، غير أنها تحتاج إلى بعض التحسينات لتعزيز المساواة، خاصة فيما يتعلق برئاسة الأسرة والميراث، مقترحة في هذا الصدد منح الأفراد حرية الاختيار بين تطبيق أحكام الشريعة أو اعتماد مبدأ المساواة بين الجنسين في الميراث.











