مدنين: بن قردان تشيّع 8 من شبابها ضحايا حادثة غرق مركب الهجرة غير النظامية إلى مثواهم الأخير

في مشاهد مؤلمة تدمي القلوب، شيّعت مدينة بن قردان اليوم 8 من شبابها من ضحايا فاجعة غرق مركب الهجرة غير النظامية الذي ساق إلى الموت 15 شابا ركبوا رحلة بحث عن مستقبل أفضل لكنّها توقفت وتوقفت معها الحياة ودفن الحلم قبل أن يولد... لم يقدهم المركب إلى الضفة الأخرى من المتوسط بل قادهم إلى مقبرة سيدي خليف ببن قردان في صناديق خشبية أوصدت على جثامينهم وعلى آمال وأوجاع وأحلام حملوها وستوارى الثرى معهم.
لم تثن شدّة حرارة الطقس جموعا كبيرة من أهالي بن قردان عن حضور مواكب دفن هؤلاء الشباب وتشييع جثامينهم من عمق البحر الى بطن الأرض تاركين حكاية أليمة وذكريات بطعم الحزن وألم الفقد.
قدّمت بن قردان في هذا اليوم صورة عن لحمة ابنائها وتآزرهم في مصابهم، حيث ساهم كلّ من موقعه في تنظيم موكب الدفن فنصبت عديد الخيام في المقبرة حتى تقي الوافدين حرارة الشمس، وتوفرت كميات من قوارير المياه وزّعت على كل الحاضرين، ووقف الجميع جنبا إلى جنب مجتمعين على نفس الوجع.
أعادت هذه الحادثة الى الذاكرة حوادث أخرى مماثلة عاشت مدينة بن قردان على وقعها بألم كبير وتتذكرها عديد العائلات بحرقة أكبر قد تتواصل، وفق الناشط المدني فيصل لعماري، "ما لم تطرح أسباب الهجرة والرحيل بكل جدية، وما لم يخلق منوال تنموي قادر على تحقيق مطالب الشعب في الشغل والحرية والكرامة الوطنية".
وأضاف العماري أن "غرق هذا المركب وخسارة عدد من أبناء المنطقة يمثّل حادثا مأساويّا جديدا يضاف إلى ملف الهجرة غير النظامية، وهو، حسب رأيه، أعمق من حادثة غرق، فالضحايا أبناء منطقة حدودية ينتمون إلى جيل نشأ معوّلا على التجارة البينية كمصدر رزق وعماد لاقتصاد المدينة، ويرتبط واقعهم ارتباطا وثيقا بحركة معبر رأس جدير الذي قد يتسبّبب تعطّله في تأزم وضعية العديد من العائلات التي يرتبط استقرارها بما يحدث خلف الحدود"، وفق تعبيره.
وأكّد أن "الحدود أصبحت أكثر اضطرابا، والفرص أقل، والمسافة بين الحلم والواقع أكبر، فتراكم الاحباط وتقلصت الخيارات وولد إحساس بأن الفرص المتوفرة للجيل الحالي أقل بكثير مما أتيح لاجيال سابقة، بما يفسّر، وفق تصوّره، سبب اللجوء إلى البحر كخيار بديل، فأبناء بن قردان يعرفون البحر جيّدا كمعرفتهم قسوة الحدود، وبين البر والبحر انتشروا بحثا عن الرزق مواجهين خطر ذهاب بلا رجعة.
ودعا إلى "إعادة التفكير في هذه المنطقة بعيدا عن الصور النمطية التي تلاحقها، فبن قردان ليست مدينة تهريب أو مدينة مهجورة أو مجرّد مدينة حدودية، بل مدينة بموقع استثنائي وإرث تجاري واجتماعي كبيرين تحتاج الى اقتصاد يثمن الموقع ويجعله فرصة مستقرة لا مصدر رزق هشّ يتأثر بأي أزمة".
وأضاف قوله إن "المنطقة في حاجة إلى أن ينظر اليها كما هي فعلا، مدينة لديها خصوصياتها واقتصادها وعلاقاتها التاريخية مع محيطها، وأنجبت شبابا لا يريد مغادرة البلاد، إنما يريد سببا مقنعا للبقاء فيها، شباب يجد ما يشدّه للبقاء"، وفق تعبيره.
واعتبر أنّه "لا يجب الاكتفاء إزاء هذه الفاجعة بالسؤال عن عدد الجثامين المنتشلة من البحر، فيصبح الألم رقما باهتا باردا، بل لا بدّ من البحث في الظروف التي تدفع بالبعض إلى المخاطرة".
وخلص العماري إلى القول إنّ "بن قردان لا تحتاج إلى أن نتذكرها فقط عند حصول كارثة بل تحتاج الى أن نتذكرها دائما، نحتاج ان نرى موقعها وتاريخها واقتصادها وشبابها، فقد تكون المأساة التي وقعت في البحر قد بدأت يوم أصبحت مدينة بهذا الموقع الكبير والمميّز تعيش بإمكانيات أصغر من جغرافيتها، فالقضية التي يجب ألّا يغطّي عليها صوت الفاجعة تتمثّل في كيفية استفادة بن قردان من موقعها بدل أن يدفع أبناؤها ثمنه"، حسب تعبيره.




29° - 43°





