افتتاح فعاليات الدورة الـ11 لأيام قرطاج الموسيقية : الفن حق للجميع ورسالة أمل وإدماج

كيف يمكن للموسيقى أن تغيّر حياة الإنسان؟ هو السؤال المركزي لحفل افتتاح الدورة الحادية عشرة من أيام قرطاج الموسيقية، الذي انتظم مساء اليوم السبت بقاعة الأوبرا بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي بالعاصمة.
هذا الحفل الذي شهد حضور وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي وعدد من السفراء وممثلي البعثات الدبلوماسية بتونس فضلا عن فنانين وموسيقيين، قدم فسيفساء من التعبيرات الفنية والقصص الإنسانية التي تبرز القيمة السامية للفن باعتباره تعبيرا عن الحياة والأمل.
وفي تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء أشارت وزيرة الشؤون الثقافية إلى أن الوزارة اختارت افتتاح الموسم الثقافي الجديد بأيام قرطاج الموسيقية متمنية أن تكون كعادتها موعدا لمختلف الفئات العمرية مثمنة حرص القائمين على التظاهرة على توسيع خياراتهم من خلال انتقاء مشاركين من عديد الدول مما يتيح للجمهور فرصة أكبر للتعرف على مختلف الأنماط الموسيقية الموجودة في العالم. وأكدت بالمناسبة على أن الموسيقى حق للجميع معتبرة اعتماد لغة الإشارات خلال الحفل إضافة مميزة لهذه الدورة
وتجلّى السؤال المركزي للعرض من خلال البعد الإنساني والإدماجي الذي طغى على مختلف فقرات حفل الافتتاح، بدءا باعتماد لغة الإشارات لتمكين فئات واسعة من الجمهور من متابعة فعاليات هذا الحفل ووصولا الى الفقرات التكريمية والشهادات الحية التي تجسد المعنى الفعلي لأثر الموسيقى في الارتقاء بحياة الإنسان وتغييرها نحو الأفضل.
// ثراء التراث اللامادي التونسي //
وبالطابع التونسي انطلق الحفل بوصلة فنية جمعت بين إيقاعات البندير والمزود لتقدم الهوية الفنية لعرض افتتاح الدورة 11 من أيام قرطاج الموسيقية بوصفه حفلا ينتصر للموسيقى الشعبية التونسية ومؤثراتها الصوتية والبصرية، حيث رافق العرض الموسيقي صورة لوحة تشكيلية تجمع عددا من الخصوصيات المعمارية التونسية، من الخزف وجامع الزيتونة المعمور وأسطح المدينة العتيقة التي توثق تاريخا وتراثا ثريا تم تسجيله على لائحة التراث العالمي لليونسكو منذ عقود.
ورافقت العرض الموسيقي لوحات راقصة جمعت بين الرقص الشعبي والمعاصر لتعكس انفتاح الفن الشعبي التونسي على التعبيرات الفنية العصرية مع التمسك بإبراز ثراء التراث اللامادي التونسي، من خلال اعتماد قطع من اللباس التقليدي من قبل المؤديات للوحة الراقصة من ذلك "مريول فضيلة" (قميص تقليدي تونسي) فضلا عن حضور الفخار ضمن أحد أقسام العرض الراقص.
// توجه إدماجي للمهرجان يعكس وعيا والتزاما //
وفي كلمة تقديمية أعلن خلالها مدير المهرجان منذر فلاح رسميا عن افتتاح فعاليات الدورة 11 أيام قرطاج الموسيقية، أشار إلى أن المهرجان يتجاوز المفهوم التقليدي "للمهرجان"، فهو مساحة تنطلق منها الموسيقى، وتتوطد من خلالها العلاقات المهنية بين الفنانين والمتخصصين من مختلف أنحاء العالم، وقد كان أيضا نقطة انطلاق لفنانين بدأوا منه مسيرتهم ووصلوا إلى العالمية. واعتبر أن دور المهرجان اليوم هو إتاحة هذه المساحة للفنانين الناشئين والتعريف بهم لدى المتخصصين لتُفتح أمامهم الآفاق وليحلقوا بعيدا.
وثمن مدير المهرجان الشراكة التي عقدتها الهيئة المنظمة مع جمعية "إبصار" لثقافة وترفيه الأشخاص ذوات و ذوي الإعاقة، مبينا التوجه الإدماجي للمهرجان الذي انعكس خلال حفل الافتتاح في الترجمة الفورية للحفل بلغة الإشارات، فضلا عن توجيه دعوات لحضور حفل الافتتاح طبعت بحروف "برايل" لضيوف من ذوي الإعاقة البصرية واكبوا مساء اليوم هذا الحفل من خلال أجهزة الوصف الصوتي التي تم تأمينها للحاضرين ممن لا يستطيعون رؤية العرض بصريا ليتسنى لهم الاستماع ومعرفة كل حركة على المسرح وكل ما يدور حولهم، معبرا عن أمله في تعميم هذه التجربة في مختلف المهرجانات .
وذكر مدير المهرجان بأهم فقرات هذه الدورة وجديدها، وخاصة تركيزها بشكل كبير على الشراكات الدولية، وهو ما أفرز حضور أكثر من 15دولة خلال فعاليات المهرجان ممثلين في الفنانين والمهنيين والصحفيين.
وسلط منذر فلاح بالمناسبة الضوء على فقرة "أيام قرطاج الموسيقية في الجهات"، التي تمثل جائزة معنوية يقدمها المهرجان للفنانين الناشئين، من خلال اختيار ثلاثة مشاريع فنية وتنظيم جولة لها في عدد من المناطق التونسية، معتبرا أن من شأن هذه المبادرة أن تعزز الشراكات مع المندوبيات، والمهرجانات الجهوية، والجمعيات، وحتى المؤسسات الخاصة، مما يتيح إشعاعا أكبر للمهرجان في كافة أنحاء الجمهورية وعلى مدار السنة.
// الموسيقى ترياق //
وفي مواصلة للطابع الإنساني الذي اتخذه حفل الافتتاح، تابع الجمهور فقرة بإمضاء الفنان أحمد ليتيم ، الذي اعتلى الركح ليقدم شهادة حية عن أثر الموسيقى في حياة فئات اجتماعية تعيش وضعيات صعبة، فطرح بالمناسبة بدايته مع الموسيقى حين حرص والده، الذي لم يكن موسيقيا ولا فنانا، على اصطحابه إلى معهد الموسيقي بانتظام، دون ان يتملكه التعب أو الملل، حيث كان محبا، شغوفا بالموسيقى التي كانت الرابط بين ماضيه وحاضره حين ارهقه مرض الزهايمر ولم يعد يتذكر شيئا سوى ألحان الموسيقى التي تحيي في داخله ذكريات حياته. وهو ما عبر عنه اليتيم قائلا "عندما أؤدي الأغاني يتذكر أصواتها وألحانها، وحين أردد كلماتها يغني معي متذكرا كل حرف، رغم أنه نسي العديد من الأمور الأخرى في حياته. كان يشعر بقلة الراحة والاضطراب، لكنه حين يغني معي يستعيد هدوءه وأُسمعه أحب الموسيقى إلى قلبه، حيث كان الفنان المفضل لديه هو الموسيقار والملحن محمد عبد الوهاب"، مضيفا "لقد كانت الموسيقى تعيده إلينا، وتجعله يعيش مجدداً مع الأغاني ويشعر بقيمتها".
ومثلت تلك الشهادة فرصة للتذكير بتاريخه مع أيام قرطاج الموسيقية أين حضر والده أول عرض خاص بابنه سنة 2015 ضمن فعاليات هذا المهرجان، فضلا عن اخر عرض له ايضا سنة 2021 ضمن فعاليات المهرجان ذاته قبل أن يرحل والده عن العالم منذ سنتين تاركا في وجدانه حب الموسيقى وقصة إنسانية من شأنها أن تحث الجمهور على الإقبال على الموسيقى ومختلف الفنون.
وترجم اليتيم هذه التجربة الموسيقية والإنسانية في أداء موسيقي وغنائي مشترك مع الجمهور لأغنية "الليل يا ليلى" رافقه فيه عازف الغيتار أيمن بن عطية.
// تكريم الفقيدين محمد القرفي وياسر الجرادي //
وفي لمسة وفاء لروح الفنان الراحل ياسر جرادي قدم كل من الفنانين غيث الجويني وسامي بن سعيد، فقرة موسيقية عزفا خلالها ألحان أغنيته الشهيرة "ديما ديما". غيث الجويني الذي قدم أداء محترفا على آلة الهارمونيكا، أرفقه بسرد لتجربته وشغفه بهذه الآلة التي يطمح أن يصل من خلالها إلى العالمية والتي علمته معنى "الحرية" على حد تعبيره.
وكان تكريم الموسيقار الراحل محمد القرفي من أبرز فقرات الافتتاح، حيث تم عرض شريط فيديو من إنجاز لطفي البحري، يستحضر مسيرته الفنية وإسهاماته في الموسيقى العربية وتجربته مع الفنانة الراحلة ذكرى محمد، ويستعيد محطات من تجربته التي خلفت أثرا كبيرا في المشهد الموسيقي.
كما تضمن الحفل أيضا تقديم برنامج الفعالية الجديدة للمهرجان (JMC Jazz Camp)، في دورته الأولى باعتباره، وهو أحد المواعيد المخصصة للتكوين الموسيقي ضمن أيام قرطاج الموسيقية، فضلا عن تقديم مختلف عروض الدورة وحفلاتها.
واختتم حفل الافتتاح بكلمة أعلن خلالها كريم بن عمر، الذي تولى تقديم الحفل، عن انطلاق العرض الرئيسي للسهرة، لتعتلي فرقة "دندري" لموسيقى السطمبالي الركح وتقدم عرضا موسيقيا، مثل إعلانا رمزيا عن انطلاق البرمجة الفنية للدورة الحادية عشرة من أيام قرطاج الموسيقية.
وتتواصل فعاليات أيام قرطاج الموسيقية إلى غاية 10 أكتوبر 2026، من خلال برنامج يجمع بين العروض الموسيقية والأنشطة واللقاءات المهنية والتكوينية، ويستضيف تجارب فنية من 15 دولة من بينها تونس.




19° - 26°





