مشروع قانون المالية 2027 / استاذ الاقتصاد معز السوسي : استقرار الضغط الجبائ لا يعكس أنّ العبء الجبائي يتوزّع بعدالة

قال أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية، معز السوسي، إنّ الضغط الجبائي الوارد بمشروع قانون المالية لسنة 2027، لم يرتفع باستمرار وفق الأرقام المتاحة، لكن ذلك لا يعكس أنّ العبء الجبائي يتوزع بعدالة.
وأكّد السّوسي في حوار له مع وكالة تونس افريقيا للانباء "وات"، أنّ النّسبة الإجمالية للضغط الجبائي لا تكشف مدى العدالة الجبائية، وفق رأيه
كما تطرّق في حواره إلى جوانب تهمّ مدى تكريس مشروع قانون المالية للعدالة الجبائية والاجتماعية مستعرضا بعض المقترحات التي يراها مهمة لمزيد تحفيز المؤسسات وتحسين مناخ الأعمال.
"وات": هل لمستم فعلا من خلال مختلف فصول المشروع وجود تخفيف للضغط الجبائي على المؤسسات والمواطن، وان وجد في اي فصول ورد ذلك؟
السوسي: تظهر أرقام وزارة المالية أن الضغط الجبائي بلغ 25.4% من الناتج المحلي سنة 2023، ثم ارتفع إلى 26.1% سنة 2024، وتراجع إلى 25.9% سنة 2025، وقدّره قانون المالية لسنة 2026 بـ25.4%، أي إنه ارتفع في 2024 ثم تراجع، ولم يسجل مسارا تصاعديا متواصلا.
ولكن نسبة الضغط الجبائي وحدها لا تكفي للحكم على ثقل الضرائب أو عدالتها؛ فهي تقيس مجموع المداخيل الجبائية مقارنة بحجم الاقتصاد، لكنها لا تبيّن من يتحمل العبء فعليا، ولا ما يحصل عليه المواطن في المقابل من خدمات عامة وحماية اجتماعية.
وعلى سبيل الذكر يبلغ متوسط الضرائب في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية 42.2% وفي فرنسا 53.4% وفي الولايات المتحدة 33.5%، وتبدو من خلال هذه المقارن، نسبة الضغط الجبائي في تونس في مستوى أدنى بكثير من متوسط المنظمة، لكن يبقى السؤال الأهم الذي يطرح في نظري هو: ما هي جودة الخدمات التي توفرها الدولة ومدى وصول المواطنين إليها، قياسا بما يدفعونه من ضرائب؟
أما الاشكال الأهم هو حول من يتحمل العبء، فالنسبة الإجمالية للضغط الجبائي لا تكشف مدى العدالة الجبائية. وفي الواقع إن الأجراء المصرح بهم والمؤسسات المنظمة هي الأكثر ظهورا أمام الإدارة الجبائية.
في المقابل، يؤدي وجود أنشطة غير مصرح بها أو تهرب جبائي إلى تفاوت في الاستخلاص، ويجعل الملتزمين بالقانون أكثر تعرضا للجباية، لهذا لا ينبغي أن نكتفي بزيادة الضرائب على القاعدة نفسها؛ بل يجب توسيع القاعدة وتحسين استخلاص المستحقات من جميع الأنشطة.
وتؤكد قوانين السنوات الأخيرة أن المسار لم يكن تخفيفا عاما للجباية ومن أمثلة الزيادات التي أُقرت سابقا، رفع الفصل 51 من قانون المالية لسنة 2024 المعلوم الموظف على تذاكر الرحلات الجوية والبحرية من 20 إلى 40 دينارا، وإلى 60 دينارا بالنسبة إلى تذاكر الدرجة الأولى ودرجة الأعمال.
أما في قانون المالية لسنة 2025، فلم تكن التغييرات متماثلة بين الشركات والأفراد. فقد ارتفعت النسبة العامة للضريبة على الشركات من 15% إلى 20% من الأرباح الخاضعة للضريبة، مع بقاء نسب خاصة عند 10% أو 35% لبعض الأنشطة، ورفع نسبة البنوك والمؤسسات المالية والتأمين من 35% إلى 40%.
أما بالنسبة إلى الأفراد فقد أصبح جدول الضريبة تصاعديا بثماني شرائح: تبدأ الشريحة الأولى المعفاة من الضريبة الى 5 آلاف دينار، وتصل النسبة الهامشية القصوى إلى 40% على الجزء من الدخل الذي يتجاوز 70 ألف دينار سنويا.
وفي 2026 أُحدثت مساهمة بنسبة 4% من الأرباح، بحد أدنى قدره 10 آلاف دينار، على مؤسسات وقطاعات محددة، منها البنوك والتأمين والاتصالات ووكلاء بيع السيارات. أما مشروع 2027 فيجمع بين تخفيفات موجهة وزيادات جديدة.
فهو يقترح إعفاء المؤسسات الجديدة المستوفية للشروط من الضريبة وإعفاء نشاط المبادر الذاتي المصرح به من الخصم من المورد وتخفيف معاليم أول اقتناء لمسكن، لكنه يقترح أيضا رفع معلوم السفر إلى الخارج من 60 إلى 80 دينارا ومعلوم الألعاب والمسابقات من 40% إلى 60% وفرض معلوم طابع قدره 20 دينارا على تسجيل الهاتف المحمول، باستثناء التسجيل الأول.
ويمكن القول أن الضغط الجبائي لم يرتفع باستمرار وفق الأرقام المتاحة، لكن ذلك لا يثبت أن العبء موزع بعدالة.
ومشروع 2027 يقدم تخفيفات لفئات محددة، لا تخفيضا عاما؛ أما معيار الحكم الأساسي فهو عدالة توزيع الضرائب، وقدرة الدولة على الحد من التهرب وجودة الخدمات التي توفرها للمواطن مقابل ما يدفعه.
"وات"، هل تعتقد ان مشروع قانون المالية لسنة 2027 افرد الجوانب الاجتماعية باجراءات اكثر من الاقتصادية منها، وكيف يتجلى ذلك ؟
السّوسي: نعم، يمنح مشروع قانون المالية لسنة 2027 البعد الاجتماعي مكانة واضحة، من خلال دعم الفئات محدودة الدخل ومساندة الأشخاص ذوي الإعاقة وتعزيز الصحة والدواء ودعم السكن الاجتماعي وتمويل بعض المبادرات الموجهة إلى الفئات الهشة. غير أن هذا التوجه يُقرأ في سياق مالي صعب؛ إذ تشير تقديرات المشروع إلى ارتفاع عجز الميزانية بنحو 3.6 مليارات دينار.
ويتصل هذا الضغط بثقل النفقات الجارية، وفي مقدمتها الأجور والتدخلات، ولا سيما كلفة التعويض عن المواد الأساسية والطاقة.
ومن الناحية المالية، لا يُخصَّص تمويل العجز عادةً لبند بعينه، لكن اتساع هذه النفقات يحدّ عمليًا من قدرة الدولة على توجيه موارد إضافية إلى الاستثمار والتنمية. وهنا تكمن المخاطرة: أن تُحمى النفقات الجارية والالتزامات الاجتماعية على حساب المشاريع التنموية التي تدعم النمو والتشغيل.
لذلك تواجه الدولة تحديًا مزدوجًا ألا وهو الحفاظ على دورها الاجتماعي ومساندة المواطنين أمام ارتفاع كلفة المواد الأساسية والطاقة مع ترشيد منظومة الدعم وحماية نفقات التنمية.
فالحكم على التوجه الاجتماعي للمشروع لا يتوقف على تعدد إجراءاته، بل، كذلك، على استدامة تمويلها ووصولها إلى مستحقيها وقدرتها على التعايش مع الاستثمار الضروري لخلق الثروة وفرص العمل.
"وات": بالرجوع إلى الأوضاع السائدة، حاليا، في عدد من الدول الأوروبية حول الترفيع في اسعار المحروقات وما رافقها من احتجاجات وأعمال شغب، هل تعتقد ان تونس توفقت في خياراتها بعدم الترفيع في اسعار المحروقات وتحمل الدولة أعباء هذه الزيادة ؟
السوسي: من زاوية حماية المقدرة الشرائية، كان قرار عدم الترفيع في أسعار المحروقات مفهومًا، لأن أي زيادة كانت ستثقل مباشرة كلفة النقل والإنتاج والأسعار. فقد بلغ التضخم المسجّل في تونس 5.6% في سبتمبر 2026، علما وان تقدير أن لا يقل متوسطه خلال السنة عن 5.7%، يعكس استمرار الضغط على الأسر، لا سيما أن أسعار الغذاء ارتفعت بنسبة 8.4% على أساس سنوي في الشهر نفسه.
بيد ان تثبيت الأسعار له كلفة كبيرة على المالية العمومية، فقد رُصد في ميزانية 2026 نحو 4 مليار و993 مليون دينار دينار لتعويض المحروقات، بينما بلغ ما صُرف في هذا الباب 2 مليار و427 مليون دينار خلال النصف الأول وحده، متجاوزًا نفقات الاستثمار المنفذة في الفترة نفسها بـ 762 مليون دينار.
وبحسب تقديري يفترض ارتفاع معدل برميل النفط الى حدود 95 دولارا ارتفاعا في كلفة التعويض الى نحو 2ر11 مليار دينار بنهاية السنة، أي أكثر من ضعف الاعتماد المرصود. وهذا تقدير مرتبط بفرضية سعر النفط، وليس رقمًا نهائيًا محققًا.
وتُظهر التجربة الأوروبية حساسية أي زيادة في الوقود، وإن كانت الاحتجاجات هناك مرتبطة أيضًا بكلفة المعيشة وتراجع الخدمات. ففي فرنسا رافق ارتفاع الأسعار احتجاجات واسعة، وفي إيطاليا أدت احتجاجات سائقي الشاحنات على كلفة الديزل إلى اضطراب توزيع بعض السلع في الجنوب.
لذلك أرى أن خيار الدولة جنّب التونسيين صدمة مباشرة في الأسعار، وواصل حماية الفئات الهشة عبر برامج «الأمان الاجتماعي»، لكنه ليس بلا ثمن، فتضخم كلفة التعويض يضغط على موارد الاستثمار ويضيّق هامش تمويل التنمية، وقد يؤجل إصلاحات التعليم والصحة والنقل العمومي.
والتحدي هو مواصلة حماية الفئات الأضعف، مع توجيه الدعم إليها بدقة أكبر وضمان ألا يأتي ذلك على حساب الخدمات والاستثمار الضروريين.
"وات": حسب اعتقادك ماذا كان يمكن على الحكومة ادراجه من اجراءات اخرى في المشروع في لتحفيز المؤسسات الاقتصادية ؟
السوسي: في تقديري، كان يمكن تعزيز الجانب التحفيزي في المشروع بإجراءات تخفّض كلفة الإجراءات والامتثال الجبائي على المؤسسة، إلى جانب خطوط التمويل. فالمشروع يقترح بالفعل تمويلًا للمؤسسات الناشئة والصغرى، ومساهمة في الأعباء الاجتماعية للمؤسسات المحدثة سنة 2027؛ ويمكن البناء على هذه الإجراءات بتدابير عملية أوسع أثرًا.
أولًا، إحداث شباك موحّد ورقمي يتيح بعث المؤسسة والتصريح بها جبائيًا واجتماعيًا في مسار واحد، مع آجال قانونية قصيرة للرد على المطالب، ورقمنة التراخيص حيثما أمكن. فهذا يخفض كلفة الوقت والتنقل، وهي كلفة تثقل خصوصًا كاهل المؤسسات الصغيرة.
ثانيًا، تبسيط الالتزامات الجبائية للمؤسسات الصغرى بتجميع التصاريح المتقاربة في تصريح دوري موحّد، وتدرّج مبسط للانتقال من النظام التقديري إلى المحاسبة الفعلية.
كما يمكن إقرار فترة مرافقة للمؤسسة الجديدة تُصحَّح خلالها الأخطاء التصريحية البسيطة قبل تسليط الخطايا، شريطة المبادرة بالتسوية.
ثالثًا، معالجة مشكلة السيولة عبر تسريع استرجاع فائض الأداء على القيمة المضافة، أو تمكين المؤسسة من مقاصّته مع ديونها الجبائية، وضبط أجل أقصى لمعالجة المطالب. فاسترجاع أموال المؤسسة في وقتها قد يكون أنفع لها من امتياز ضريبي لا تنتفع به إلا بعد تحقيق الأرباح.
ورابعًا، ربط جانب من المساندة الاجتماعية المقترحة بإحداث مواطن شغل جديدة ومصرّح بها، حتى يصل الدعم إلى المؤسسات التي توسّع نشاطها وتشغّل فعليًا.
ويمكن استكمال ذلك بإلزام الهياكل العمومية بآجال واضحة لخلاص مستحقات المؤسسات، لأن تأخر الخلاص يرفع كلفة التمويل ويهدد استمرارية المؤسسات الصغرى.
بهذه الإجراءات يصبح التحفيز ملموسًا في مسار التأسيس والتصريح واسترجاع المستحقات والحصول على الخلاص. ويُقاس نجاحه بمدى تقليص مدة وكلفة بعث المؤسسة وتحسين سيولتها وتشجيعها على الاستثمار والتشغيل الرسمي.
"وات": لقد تضمن مشروع قانون المالية للسنة القادمة اعتزام الحكومة اصدار صكوك سيادية او إسلامية بنحو 9 مليار دينار في خطوة جديدة في سياق تمويل ميزانية الدولة كيف تقرؤون هذه المسالة، واة تداعيات لها على التوازنات المالية؟
السوسي: ينص مشروع قانون المالية 2027، وفي الفصل 11 على ترخيص أقصى قدره 9 مليارات دينار لضمان قروض أو إصدار صكوك إسلامية؛ ولا يحدد هذا الفصل قيمة إصدار فعلية.
أقرأ التوجه نحو إصدار الصكوك السيادية باعتباره محاولة لتنويع مصادر التمويل وتوسيع قاعدة المستثمرين، وهو أمر يمكن أن يكون إيجابيًا في ظل حاجات اقتراض مرتفعة ومحدودية النفاذ إلى التمويل الخارجي.
لكن الصكوك، رغم خصوصيتها القانونية والمالية، تظل التزامًا على الدولة يترتب عنه عائد وسداد؛ لذلك فهي لا تخفض عجز الميزانية، بل توفر طريقة إضافية لتمويله أو لإعادة تمويل الدين.
ويتوقف أثرها على طريقة الإصدار، فإذا استقطبت مدخرات جديدة من السوق الخارجية وبشروط مناسبة، أمكن أن تخفف الضغط على البنوك المحلية وتتيح موارد لتمويل مشاريع منتجة. أما إذا اعتمد الإصدار أساسًا على المدخرات المحلية، فقد ينافس المؤسسات والأسر على التمويل، ويحدّ من قدرة البنوك على إقراض القطاع الاقتصادي.
كما أن الإصدار بالعملة الأجنبية يضيف مخاطر مرتبطة بسعر الصرف وكلفة خدمة الدين.
وتزداد أهمية هذا التقييم بالنظر إلى أن مشروع 2027 يقدّر موارد الخزينة بـ 28.122 مليار دينار، منها 19.845 مليارًا من الاقتراض الداخلي و6.877 مليارات من الاقتراض الخارجي، إلى جانب ترخيص بتسهيلات من البنك المركزي تصل إلى 9.8 مليارات دينار.
لذلك لا ينبغي الحكم على الصكوك من قيمتها وحدها، بل من كلفتها ومدتها وعملتها، ومدى توجيهها إلى الاستثمار المنتج، وما إذا كانت ستخفف فعلًا الاعتماد على التمويل الداخلي وتمويل البنك المركزي.




17° - 26°


