الندوة الدولية حول حقوق الإنسان الرقمية والجندر تبحث مدى قدرة التشريعات على ضمان الحقوق الرقمية للمرأة

شكّلت حماية الحقوق الرقمية للمرأة في ظل مفارقة فضاء رقمي يتأرجح بين وعود التمكين وممارسات الإقصاء، ويعيد إنتاج أشكال من العنف القائم على النوع الاجتماعي، محور افتتاح الندوة الدولية الثانية التي ينظمها تحت شعار "حقوق الإنسان الرقمية والجندر: الرهانات والضغوطات والرؤى النقدية"، مخبر البحث الإعلام والاتصال والسياقات الانتقالية بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار، في إطار شراكة بحثية مع مكتب اليونسكو لمنطقة المغرب العربي، والمعهد الدنماركي لحقوق الانسان.
وتمحورت جلّ مداخلات اليوم الأول من هذه الندوة الدولية التي تتواصل أشغالها إلى غاية يوم السبت القادم، بمعهد الصحافة وعلوم الأخبار بمنوبة، حول مجموعة من التساؤلات تعلقت بمدى قدرة التشريعات على ضمان الحقوق الرقمية للمرأة، في عصر لم تعد فيه معارك الجندر تخاض بالنصوص القانونية وحدها، بل باتت الخوارزميات سلاحا جديدا في صراع المساواة والتمييز، والتمكين والإقصاء، وحول حدود المقاربات القانونية التقليدية، وما تفرضه من مراجعة للسياسات وآليات الحوكمة والثقافة الرقمية، بحثا عن سبل أكثر إنصافا وعدالة.
واعتبرت الجامعية بجامعة بادوفا والباحثة الإيطالية كلاوديا بادوفاني في مداخلتها "تأنيث الدستورية الرقمية منظور ومحوره الرعاية"، أنه لابد من إعادة صياغة القواعد والقوانين التي تحكم الفضاء الرقمي والذكاء الاصطناعي بناء على "أخلاقيات الرعاية" والإنصاف التقاطعي، بدلا من الاعتماد فقط على المقاربات القانونية التقليدية، وإرساء بيئة رقمية تضمن التكافل الجماعي، ومكافحة العنف والتمييز الهيكلي القائم على النوع الاجتماعي عبر الإنترنات.
كما أكدت ضرورة الانتقال نحو حوكمة تشاركية شاملة تضمن التكافل الجماعي وتدمج الفئات المهمشة في صنع القرار الرقمي، وتشرك النساء في تصميم البنى التحتية للتكنولوجيا، لتحويل الإنترنت من مساحة للاحتكار والانتهاكات إلى فضاء آمن يعزز المسؤولية الاجتماعية والعدالة الرقمية للجميع، مع إعطاء الأولوية للتضامن والمعاملة بالمثل، وتقدير التنوع والترابط، ومواجهة "تربية القسوة" التي تضعف التعاطف وتطبّع مع العنف.
من جهته اعتبر الخبير في الاتصال الجماهيري بمنظمة اليونسكو "مينغ كيوك ليم" في مداخلته حول" مكافحة العنف عبر الانترنات، دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في سلامة الصحفيات "، أن "إسكات صحفية واحدة هو إسكات ألف صوت نسائي، وعندما نحمي حقها نحمي حقوق المرأة، وبالتالي حقوق كل من الرجل والمرأة"
واعتبر أن مواجهة تلاشي الفجوة بين العالم الافتراضي والواقعي، مواجهة لا يمكن أن تقتصر على التشريعات وحدها بل تستوجب تطوير الأطر القانونية لتشمل أشكال العنف التي تيسرها التكنولوجيا، وتدريب جهات إنفاذ القانون على التعامل مع الأدلة الرقمية ومساءلة المنصات الرقمية، مع إلزام المؤسسات الإعلامية بوضع بروتوكولات لحماية العاملات والعاملين فيها، إلى جانب الاستثمار في التربية الإعلامية والرقمية ودعم منظمات النساء ونقابات الصحفيين، مع وضع السلامة وحقوق الإنسان في صميم تصميم التكنولوجيا، بدل الاكتفاء بمعالجة الأضرار بعد وقوعها.
وأشار الخبير إلى تصاعد لافت للعنف الرقمي ضد الصحفيات، الذي لم يعد مجرد مضايقات افتراضية، بل بات يمتد إلى الواقع ويهدد السلامة الشخصية وحرية التعبير، اذ ارتفعت نسبة الصحفيات اللواتي تعرضن لاعتداءات واقعية مرتبطة بالعنف الرقمي من 20 بالمائة سنة 2020 إلى 42 بالمائة سنة 2025، فيما زادت نسبة اللواتي لجأن إلى الرقابة الذاتية خوفا من المضايقات من 30 بالمائة إلى 45 بالمائة خلال نفس الفترة، استنادا إلى دراسات وتقارير صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة.
ولفت الخبير إلى تصاعد هذه المخاطر مع توظيف الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى مزيف وشن حملات تحرش وتشهير منسقة، في وقت لا تزال فيه الاستجابة المؤسسية والحماية القانونية دون مستوى التحديات، مشيرا إلى فجوة واضحة بين الإبلاغ عن العنف الرقمي والاستجابة له، إذ لم تتلقَّ 85 بالمائة من النساء أي إجراء فعلي رغم لجوئهن إلى أصحاب العمل أو الشرطة، مؤكدا في هذا الإطار أنه لا تتوفر لدى أكثر من 60 بالمائة من دول العالم قوانين تجرّم التنمر والتحرش الإلكتروني، بما يترك نحو 1.8 مليار امرأة وفتاة دون حماية قانونية فعلية من التحرش والملاحقة عبر الإنترنات
واعتبر مدير معهد الصحافة وعلوم الأخبار، الباحث صادق الحمامي، في كلمته أهمية مبحث" حقوق الإنسان الرقمية والجندر"، بمختلف أبعاده، في ظلّ مفارقة أن الرقمي الذي بشّر به أداة للتحرّر، أصبح اليوم مجالا للضبط والهيمنة، بعد أن استوعبته الأنظمة السلطوية ودمجته واستحوذت عليه، لتوظّفه في تعزيز الأيديولوجيات الشعبوية ونفوذ الزعامات الشعبوية.
وبيّن الحمامي أن الجندر يمثّل مجالا بالغ الدلالة على هذا الانقلاب الباراديغماتي في النموذج، من التحرّر إلى الضبط، وأن الحديث الآن صار عن سلطوية رقمية كمفهوم قد يبدو غريبا في عالم كان فيه الفضاء الرقمي افقا جديدا للتحرر.
واكدت رئيسة المخبر حميدة البور في مداخلتها أن الفريق العلمي لهذه الندوة التي تضم 70 مداخلة من أكثر من 15 بلدا، تشمل بلدان المغرب العربي والمشرق وغرب إفريقيا وأوروبا، حرص على المزج بين البحث العلمي والبحث التطبيقي في المجتمع، والجمع بين الخبرة الميدانية والبحوث الأكاديمية، من خلال مداخلات متنوعة لباحثين واكاديميين في القانون، وفي علم الاجتماع، وعلم الإعلام والاتصال، وعلم النفس وعلم الحاسوب، والسينما، والتصرف.
واضافت أن ما تم تقديمه من مقترحات ودعوات خلال مختلف المداخلات، اليوم وباقي أيام الندوة التي تتواصل إلى السبت، سيتم صياغته كتوصيات سيتم متابعتها بالتعاون مع الشركاء والعمل على تنفيذها.




17° - 26°


