تونس- الاتحاد الأوروبي: شراكة تاريخية تتطلب المراجعة لمواجهة التحديات الراهنة

قال وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي، إنّ "تونس تظل ملتزمةً بالمبادئ التي بُنيت عليها شراكتها مع الاتحاد الأوروبي، وهي شراكة تاريخية مدعُوة لتتطوّر حتى تكون أكثر توازناً وإنصافاً واحتراماً للأولويات الوطنية والخيارات السيادية لكل طرف".
كما أكد النفطي في كلمة ألقاها أول أمس الجمعة، خلال الاحتفال بيوم أوروبا، الذي نظّمته بعثة الاتحاد الأوروبي في تونس، أهمية مراجعة اتفاقية الشراكة وتطويرها وإضفاء طابع التوازن على مضمونها، بما يتوافق مع التغيرات الاقتصادية والجيوسياسية العميقة في الظرف الراهن.
وتربط تونس بالاتحاد الأوروبي، علاقات شراكة استراتيجية وتاريخية وثيقة، اعتبرتها وزارة الخارجية "ثمرة خيار استراتيجي قديم ومفيد للطرفين "، تعزّزت بفضل عامل القرب الجغرافي والتقارب التاريخي، بما جعلها من أعرق العلاقات القائمة بين ضفتي المتوسط.
كما سعت تونس، لبناء روابط متينة ودائمة مع شركائها الأوروبيين منذ سنة 1956، بما مكن تدريجيا من تعزيز العلاقات التونسية الأوروبية، عبر إبرام أول اتفاقية تجارية مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية سنة 1969، واتفاق التعاون الموسع المبرم بين الجانبين سنة 1976، يليهما اتفاق الشراكة المبرم سنة 1995 لتكون تونس بموجب هذا الاتفاق أول دولة في جنوب البحر الأبيض المتوسط تُبرم مثل هذه الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي.
ويعتبر اتفاق الشراكة الممضى سنة 1995 (دخل حيز التنفيذ سنة 1998)، إلى حد اليوم، الإطار والمرجع القانوني الوحيد للعلاقات التونسية الأوروبية، للتعاون في جميع الميادين دون استثناء، ليصبح بموجبه الإتحاد الأوروبي الشريك الاقتصادي والتجاري الأول لتونس.
وحسب معطيات نشرها موقع "مشروع اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمّق " (أليكا)، تم بموجب هذا الاتفاق إنشاء منطقة للتبادل الحر، أقرت حذف المعاليم الديوانية على تجارة المنتوجات الصناعية التونسية فقط بصفة تدريجية على مدى 12 سنة (من سنة 1995 إلى سنة 2008). كما انتفعت الشركات التونسية المصنعة ببرامج للإحاطة والتأهيل في إطار "برنامج ميدا" (1995-2006)، وكذلك في نطاق الآلية الأوروبية للجوار والشراكة (ابتداء من سنة 2007).
وأشار الموقع، إلى أنّ هذا الاتفاق، يندرج أيضا في إطار مسار برشلونة للشراكة الإقليمية الاورو- متوسطية والاتحاد من أجل المتوسط، الذي إنخرطت فيه تونس منذ سنة 1995، بما أتاح ارساء آليات للمتابعة، من ذلك مجلس الشراكة (يجتمع سنويا على مستوى الوزارات) ولجنة الشراكة (متكونة من موظفين مكلفين بمتابعة تنفيذ الاتفاق)، إضافة إلى تكوين لجان فرعية وفرق عمل مشتركة في المجالات التي يشملها الإتفاق.
// تحدّيات راهنة ومراجعة ضروريّة ..
في الوقت الذي تؤكد فيه الجهات الأوروبية على مكانة تونس المتقدمة لدى الاتحاد الأوروبي، الذي رفّع في نسبة مساعداته لها إثر الثورة، ومنحها صفة الشريك المميز منذ نوفمبر 2012 ، ترى تونس اليوم، أنّه رغم "الكثافة" التي تميز شراكتها مع الاتحاد الأوروبي، الا أنها تظلّ "منقوصة "، مبرزة ضرورة مراجعة هذه الشراكة في اتجاه جعلها أكثر توازنا وإنصافًا وشمولية، وأكثر توافقاً مع أولوياتها الوطنية ومتطلباتها التنموية، في إطار مقاربة متجددة وآليات مبتكرة تأخذ بعين الاعتبار المصلحة المشتركة للطرفين، والتحديات الراهنة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمالية والتكنولوجية.
ولاحظت أنّ اتفاق الشراكة الممضى سنة 1995، يبدو بعد مرور ثلاثين عامًا على توقيعه، "غير مواكب لتحولات الاقتصاد العالمي"، باعتباره قد صُمّم لتنظيم تبادل السلع ولم يعد يعكس تعقيدات العلاقات الاقتصادية الراهنة، التي تتسم أساسًا بصعود التكنولوجيا الرقمية والابتكار والمتطلبات البيئية، فضلًا عن تزايد التحديات بشتى أنواعها، لا سيما فيما يتعلق بالتزوّد بالمواد الغذائية والطاقة.
وفي هذا الجانب، كان رئيس الجمهورية قيس سعيّد، دعا في مكالمة هاتفية مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، يوم 20 مارس الماضي، بمناسبة احتفال تونس بالذكرى السبعين لعيد الاستقلال، إلى مراجعة إتفاق الشراكة حتى يكون أكثر توازنا وعدلا، وهو ما أكّده بدوره وزير الشؤون الخارجية في مكالمة هاتفية مع المفوضة الأوروبية من أجل المتوسط "دوبرافكا شويتسا"، عند تطرّقه إلى سبل تعزيز علاقات التعاون بين تونس والاتحاد الأوروبي، بعد مرور أكثر من ثلاثين سنة على إبرام اتفاق الشراكة.
وفي السياق ذاته، أفاد سفير الاتّحاد الأوروبي بتونس جوزيبي بيروني، في تصريح إعلامي، الخميس الفارط (7 ماي الجاري)، بأنّ مراجعة مذكرات التفاهم والشراكة بين تونس والاتّحاد الأوروبي "تتمّ بصفة دورية عندما تقتضي الحاجة"، وأنّ وفدا من بروكسال زار تونس مؤخّرا، للتباحث مع السلطات التونسية بشأن مراجعة عدد من مذكّرات التفاهم بين الجانبين تهم قطاعات متعددة منها الطاقات المتجددة والمبادلات التجارية.
// توازن أفضل للشريكين ..
أوضحت وزارة الشؤون الخارجيّة ل (وات)، أنّ مراجعة علاقات تونس مع الاتحاد الأوروبي، تأتي في إطار السعي الى تحقيق توازن أفضل بين الشريكين والاستغلال الأمثل لإمكاناتهما، مشيرة إلى أنّ تحسين الظروف الكفيلة بولوج المنتجات الزراعية والغذائية إلى الأسواق، ومشاركة المؤسسات الصغرى والمتوسطة في الأسواق الأوروبية، وتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، والانتقال الطاقي، والتحول الرقمي، تعد من المواضيع التي يُمكن إدراجها في إتفاق الشراكة.
وأكدت أنّ اتفاق الشراكة المبرم سنة 1995 والذي وصفته ب "الإنجاز التاريخي"، لا يزال يمثل، بعد مرور ثلاثين سنة، "قاعدة متينة للعلاقات بين الطرفين"، لكنه لم يعد كافياً للاستجابة للتحوّلات العميقة التي تشهدها ضفتي المتوسط، باعتبار أن السياق السياسي والوضع الاقتصادي الدولي اللذين سادا عند إبرام الاتفاقية سنة 1995، تغيّرا جذرياً وشهدا تحولات جوهرية، في حين لا تزال تحوّلات أخرى في طور البروز، مشددة على أن تونس تظل منفتحة على الحوار والتعاون مع شركائها، ولا سيما الاتحاد الأوروبي.
كما ذكّرت بأنّ التوقيع على مذكرة التفاهم حول الشراكة الاستراتيجية والشاملة بين تونس والاتحاد الأوروبي في جويلية 2023 ، شكّل مرحلة فارقة، وترجم الإرادة المشتركة لإعطاء دفع جديد للعلاقات الثنائية تشمل خمسة محاور رئيسية تعلّقت باستقرار الاقتصاد الكلي، والمجالين الاقتصادي والتجاري، والانتقال الطاقي ودعم التقارب بين الشعوب والهجرة والتنقل.
واعتبرت أنّ المتغيرات السياسية الراهنة، عزّزت فكرة ضرورة تطوير الشراكة التونسية الأوروبية من منطق التعاون إلى منطق الشمولية والتكامل، مع اعتماد مبادئ المسؤولية المشتركة والتضامن، وخاصّة احترام السيادة الوطنيّة وعدم التدخل في الشأن الداخلي، كقاعدة لهذه الشراكة.
// الشراكة في أرقام ...
تمثل الشركات الأوروبية 88 بالمائة من الاستثمار الأجنبي المباشر في تونس، وتوفر حوالي 90 بالمائة من إجمالي فرص العمل التي يتيحها الاستثمار الأجنبي المباشر في تونس (3400 شركة توفر أكثر من 400 ألف موطن شغل مباشر)، بما يعكس مدى الحضور الأوروبي في النسيج الاقتصادي التونسي.
وأكّدت وزارة الخارجية، في إحصائيات خصّت بها (وات)، أنّ الميزان التجاري التونسي مع الاتحاد الأوروبي مازال يحقق فائضاً لتونس، بنسبة تغطية تناهز 119 بالمائة، وهو ما يقيم الدليل على ترسّخ الاقتصاد التونسي الخارجي في السوق التجارية الأوروبية. كما أنّ نجاح الشراكة الاقتصادية يقاس بحجم الاستثمارات، حيث ارتفع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر للاتحاد الأوروبي في تونس إلى 5.8 مليار أورو بنهاية سنة 2023 ، وهو يرتكز بشكل أساسي على قطاعات النسيج والملابس والصناعات الغذائية الزراعية فضلا عن المنتجات الكهربائيّة والإلكترونية.
وأضافت أن الإتحاد الأوروبي، مثّل سنة 2025 وجهة ل 69.9 بالمائة من الصادرات التونسية، بقيمة 44.527.8 مليون دينار، مقابل 42.862.3 مليون دينار سنة 2024، في حين بلغت الواردات من الاتحاد الأوروبي 43.7 بالمائة من إجمالي الواردات التونسية، لتصل إلى 37.321.2 مليون دينار سنة 2025، مقابل 35.141.9 مليون دينار سنة 2024.
وإلى جانب المبادلات الاقتصادية، أفادت وزارة الخارجية، بأنّ التعاون التونسي الأوروبي تعزز بشكل ملحوظ في مجالي التعليم العالي والبحث العلمي، وأنّ المشاركة في البرامج الأوروبية مثل "أفق 2020" و"أفق أوروبا" و"إيراسموس+" مكّنت تونس من الانخراط الكامل في ديناميكيّة الابتكار الدولية، مع تنامي مشاركة باحثيها ومؤسساتها.
وأوضحت أنّ هذه الديناميكية، تبرهن على ما تتوفر عليه الدولة من إمكانيات على مستوى رأس المال البشري والابتكار، مشيرة في المقابل، الى عديد التحديات التي ما تزال قائمة، لا سيما فيما يتعلق بإصدار التأشيرات لبعض الفئات الاجتماعية والمهنية (نظراً لبطء الآجال وتكلفة الاجراءات)، وهو ما يشكّل تحدياً حقيقياً لمستقبل الشراكة التونسية الأوروبية، يستوجب إيجاد حلول دائمة.





22° - 30°








